الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

52

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمشركون متوكلون على أصنامهم وقوتهم وأموالهم ، فقيل : نحن لا نتكل على ما أنتم متكلون عليه ، بل على الرحمن وحده توكلنا . وفعل فَسَتَعْلَمُونَ معلق عن العمل لمجيء الاستفهام بعده . وقرأ الجمهور فَسَتَعْلَمُونَ بتاء الخطاب على أنه مما أمر بقوله الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وقرأه الكسائي بياء الغائب على أن يكون إخبارا من اللّه لرسوله بأنه سيعاقبهم عقاب الضالّين . [ 30 ] [ سورة الملك ( 67 ) : آية 30 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ( 30 ) إيماء إلى أنهم يترقبهم عذاب الجوع بالقحط والجفاف فإن مكة قليلة المياه ولم تكن بها عيون ولا آبار قبل زمزم ، كما دل عليه خبر تعجب القافلة من ( جرهم ) التي مرّت بموضع مكة حين أسكنها إبراهيم عليه السلام هاجر بابنه إسماعيل ففجّر اللّه لها زمزم ولمحت القافلة الطير تحوم حول مكانها فقالوا : ما عهدنا بهذه الأرض ماء ، ثم حفر ميمون بن خالد الحضرمي بأعلاها بئرا تسمى بئر ميمون في عهد الجاهلية قبيل البعثة ، وكانت بها بئر أخرى تسمى الجفر ( بالجيم ) لبني تيم بن مرة ، وبئر تسمى الجم ذكرها ابن عطية وأهملها « القاموس » و « تاجه » ، ولعل هاتين البئرين الأخيرتين لم تكونا في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم . فماء هذه الآبار هو الماء الذي أنذروا بأنه يصبح غورا ، وهذا الإنذار نظير الواقع في سورة القلم [ 17 - 33 ] إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إلى قوله : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . والغور : مصدر غارت البئر ، إذا نزح ماؤها فلم تنله الدلاء . والمراد : ماء البئر كما في قوله : أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً في ذكر جنة سورة الكهف [ 41 ] . وأصل الغور : ذهاب الماء في الأرض ، مصدر غار الماء إذا ذهب في الأرض ، والإخبار به عن الماء من باب الوصف بالمصدر للمبالغة مثل : عدل ورضى . والمعين : الظاهر على وجه الأرض ، والبئر المعينة : القريبة الماء على وجه التشبه . والاستفهام في قوله : فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ استفهام إنكاري ، أي لا يأتيكم أحد بماء معين : أي غير اللّه واكتفي عن ذكره لظهوره من سياق الكلام ومن قوله قبله